علي محمد علي دخيل

254

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

أَرادُوا الْخُرُوجَ مع النبي ( ص ) نصرة له أو رغبة في جهاد الكفّار كما أراد المؤمنون ذلك لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً أي لاستعدّوا للخروج عدة ، وهي ما يعد لأمر يحدث قبل وقوعه ، والمراد : لأخذوا هبة الحرب من الكراع والسلاح لأن إمارة من أراد أمرا أن يتأهب له قبل حدوثه وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ معناه : ولكن كره اللّه خروجهم إلى الغزو لعلمه أنهم لو خرجوا لكانوا يمشون بالنميمة بين المسلمين ، وكانوا عيونا للمشركين ، وكان الضرر في خروجهم أكثر من الفائدة فَثَبَّطَهُمْ عن الخروج الذي عزموا عليه لا عن الخروج الذي أمرهم به لأنه إنما أمر بذلك على وجه الذبّ عن الدين ونية الجهاد ، وكره ذلك على نية التضريب والفساد ، فقد كره غير ما أمر به ، ومعنى ثبّطهم : بطأ بهم وخذلهم لما يعلم منهم من الفساد وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ أي وقيل لهم : اقعدوا مع النساء والصبيان ، ويحتمل أن يكون القائلون لهم ذلك أصحابهم الذين نهوهم عن الخروج مع النبي ( ص ) للجهاد ، ويحتمل أن يكون ذلك من كلام النبي ( ص ) لهم على وجه التهديد والوعيد لا على وجه الاذن ، ويجوز أن يكون عاتبه اللّه تعالى عليه ، إذ كان الأولى أن لا يأذن لهم ليظهر للناس نفاقهم ثم بيّن سبحانه وجه الحكمة في كراهية انبعاثهم وتثبيطهم عن الخروج فقال لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا معناه : لو خرج هؤلاء المنافقون معكم إلى الجهاد ما زادوكم بخروجهم إلّا شرّا وفسادا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ أي لأسرعوا في الدخول بينكم بالتضريب والإفساد والنميمة يريد : ولسعوا فيما بينكم بالتفريق بين المسلمين يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ أي يطلبون لكم المحنة باختلاف الكلمة معناه : يخوّفونكم بالعدو ، ويخبرونكم أنكم منهزمون ، وان عدوّكم سيظهر عليكم وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ أي وفيكم عيون للمنافقين ينقلون إليهم ما يسمعون منكم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ أي بهؤلاء المنافقين الذين ظلموا أنفسهم لما أضمروا عليه من الفساد ، منهم عبد اللّه بن أبي ، وجد بن قيس ، وأوس بن قبطي . ثم أقسم اللّه سبحانه فقال لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ الفتنة اسم يقع على كل سوء وشرّ والمعنى . لقد طلب هؤلاء المنافقون اختلاف كلمتكم ، وتشتيت أهوائكم ، وافتراق آرائكم من قبل غزوة تبوك ، أي في يوم أحد حين انصرف عبد اللّه بن أبي بأصحابه وخذل النبي ( ص ) ، فصرف اللّه سبحانه عن المسلمين فتنتهم وقيل : أراد بالفتنة بالنبي ( ص ) في غزوة تبوك ليلة العقبة ، وكانوا اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا على الثنية ليفتكوا بالنبي ( ص ) وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ أي احتالوا في توهين أمرك ، وإيقاع الاختلاف بين المؤمنين ، وفي قتلك بكل ما أمكنهم فيه فلم يقدروا عليه حَتَّى جاءَ الْحَقُّ معناه : حتى جاء النصر والظفر الذي وعده اللّه به وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ أي دينه وهو الإسلام على الكفار على رغمهم وَهُمْ كارِهُونَ أي في حال كراهتهم لذلك . 49 - 52 - وَمِنْهُمْ أي ومن المنافقين مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي في القعود عن الجهاد وَلا تَفْتِنِّي ببنات الأصفر قال الفراء : سميت الروم أصفر لأن حبشيا غلب على ناحية الروم وكان له بنات قد أخذن من بياض الروم وسواد الحبشة فكنّ صفرا أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا معناه : ألا في العصيان والكفر وقعوا بمخالفتهم أمرك في الخروج والجهاد وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ أي ستحيط بهم فلا مخلص لهم منها ، إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ هذا خطاب من اللّه سبحانه للنبي ( ص ) ومعناه : إن تنلك نعمة من اللّه وفتح وغنيمة يحزن المنافقون وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ معناه : وإن تصبك شدة ونكبة وآفة في النفس أو المال يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ أي أخذنا حذرنا واحترزنا بالقعود من قبل هذه المصيبة وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ أي رجعوا إلى بيوتهم فرحين بما أصاب المؤمنين من الشدة قُلْ يا محمد لهم لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما